قرارداد صلح بین امام حسن بن علی (ع) و معاویه بن ابی سفیان

تاریخ تصویب: //
تاریخ انتشار: ۴۰/۰۵/۰۹
دسته:
اطلاعات بیشتر:

نقل از: الفتوح، ابن اعثم کوفی، ج ۴، ص ۲۹۰ تا ۲۹۶

تاریخ (قول تاریخ طبری): ۲۵ ربیع‌الاول سال ۴۱ هجری قمری

قال: ثم دعا الحسن بن علي بعبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم و هو ابن أخت معاوية، فقال له: صر إلى معاوية فقل له عني: إنك إن أمنت الناس على أنفسهم و أموالهم و أولادهم و نسائهم بايعتك، و إن لم تؤمنهم لم أبايعك.

قال: فقدم عبد الله بن [نوفل بن] الحارث على معاوية، فخبره بمقالة الحسن. فقال له معاوية: سل ما أحببت! فقال له: أمرني أن أشرط عليك شروطا،
فقال معاوية: و ما هذه الشروط؟
فقال: إنه مسلّم إليك هذا الأمر على أن له ولاية الأمر من بعدك، و له في كل سنة خمسة آلاف ألف درهم من بيت المال، و له خراج دارابجرد من أرض فارس، و الناس كلهم آمنون بعضهم من بعض.
فقال معاوية: قد فعلت ذلك.

قال: فدعا معاوية بصحيفة بيضاء، فوضع عليها طينة و ختمها بخاتمه، ثم قال: خذ هذه الصحيفة فانطلق بها إلى الحسن، و قل له فليكتب فيها ما شاء و أحب و يشهد أصحابه على ذلك، و هذا خاتمي بإقراري.

قال: فأخذ عبد الله بن نوفل الصحيفة و أقبل إلى الحسن و معه نفر من أصحابه من أشراف قريش، منهم عبد الله بن عامر بن كريز و عبد الرحمن بن سمرة و من أشبههما من أهل الشام.
قال: فدخلوا فسلموا على الحسن، ثم قالوا: أبا محمد! إن معاوية قد أجابك إلى جميع ما أحببت، فاكتب الذي تحب.
فقال الحسن: أما ولاية الأمر من بعده، فما أنا بالراغب في ذلك، و لو أردت هذا الأمر لم أسلمه إليه، و أما المال، فليس لمعاوية أن يشرط لي في المسلمين، و لكن أكتب غير هذا و هذا كتاب الصلح.

قال: ثم دعا الحسن بن علي بكاتبه فكتب:

«هذا ما اصطلح عليه الحسن بن علي بن أبي طالب معاوية بن أبي سفيان،

صالحه على:

[أولا] أن يسلم إليه ولاية أمر المؤمنين على أن يعمل فيهم بكتاب الله و سنة نبيه محمد صلّى الله عليه و سلم و سيرة الخلفاء الصالحين.

[ثانيا] و ليس لمعاوية بن أبي سفيان أن يعهد لأحد من بعده عهدا، بل يكون الأمر من بعده شورى بين المسلمين.

[ثالثا] و على أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله [في] شامهم و عراقهم و تهامهم و حجازهم.

[رابعا] و على أن أصحاب علي و شيعته آمنون على أنفسهم و أموالهم و نسائهم و أولادهم.
و على معاوية بن أبي سفيان بذلك عهد الله و ميثاقه، و ما أخذ الله على أحد من خلقه بالوفاء بما أعطى الله من نفسه.

[خامسا] و على أنه لا يبغي للحسن بن علي ولا لأخيه الحسين ولا لأحد من أهل بيت النبي صلّى الله عليه و سلم غائلة سرا و علانية، و لا يخيف أحدا منهم في أفق من الآفاق.

شهد على ذلك عبد الله بن نوفل بن الحارث و عمر بن أبي سلمة و فلان و فلان.»

ثم رد الحسن بن علي هذا الكتاب إلى معاوية مع رسل من قبله ليشهدوا عليه بما في هذا الكتاب.


[۱] كذا بالأصل و في المصادر اقوال في تقديم و تأخير ما اتفق عليه، و زيادة بند في الاتفاق و إنقاص آخر.
و ذكر أنه اتفق بينهما على معاهدة صلح وقعها الفريقان و صورتها – كما أخذناها من مصادرها حرفيا:

– المادة الأولى:
تسليم الأمر إلى معاوية على أن يعمل بكتاب الله و سنة رسوله.
[المدائني فيما رواه عنه ابن أبي الحديد في شرح النهج ۴/ ۸]

و بسيرة الخلفاء الراشدين
[فتح الباري فيما رواه ابن عقيل في النصائح الكافية ص ۱۵۶]

– المادة الثانية:
أن يكون الأمر للحسن من بعده
[تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ۱۹۴ و الإصابة ۲/ ۱۲ و ۱۳، دائرة معارف وجدي ۳/ ۴۴۳]

و ليس لمعاوية أن يعهد به إلى أحد
[المدائني فيما يرويه عنه ابن أبي الحديد ۴/ ۸ و الفصول المهمة لابن الصباغ و غيرهما]

– المادة الثالثة:
أن يترك سب أمير المؤمنين و القنوت عليه بالصلاة و أن لا يذكر عليا إلا بخير
[مقاتل الطالبين ص ۲۶ شرح النهج ۴/ ۱۵. و قال آخرون أنه أجابه على أن لا يشتم عليا و هو يسمع.
و قال ابن الأثير: ثم لم يف به أيضا]

– المادة الرابعة:
يسلم ما في بيت مال الكوفة خمسة آلاف ألف للحسن و له خراج دارابجرد.
[الطبري ۶/ ۹۲ و في الأخبار الطوال ص ۲۱۸: أن يحمل لأخيه الحسين في كل عام ألفي ألف، و يفضل بني هاشم في العطاء و الصلات على بني عبد شمس]

المادة الخامسة:
أن لا يأخذ أحدا من أهل العراق بإحنة، و أن يؤمن الأسود و الأحمر و يحتمل ما يكون من هفواتهم،
[الأخبار الطوال ص ۲۱۸]

و على أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله في شامهم و عراقهم و تهامهم و حجازهم.


قال: و بلغ ذلك قيس بن سعد، فقال لأصحابه: اختاروا الآن واحدة من ثنتين: قتالا مع غير إمام أو بيعة لضلال!
[في الأخبار الطوال ص ۲۱۸: القتال بلا إمام، أو الدخول في طاعة معاوية.]

قالوا: بل البيعة أيسر علينا من سفك الدماء.

قال: فعندها نادى قيس بن سعد فيمن بقي من أصحابه، فانصرف بهم نحو العراق و هو يقول:
أتاني بأرض العال من أرض مسكن … بأن إمام الحق أضحى مسلّما
فما زلت مذ نبئته متلددا … أراعي نجوما خاشع القلب ناجما

قال: ثم أقبل قيس بن سعد حتى دخل الكوفة والحسن بن علي رضي الله عنه بها.

قال: و سار معاوية في جيشه حتى وافى الكوفة، فنزل بها في قصر الإمارة، ثم أرسل إلى الحسن بن علي فدعاه، و قال: هلم أبا محمد إلى البيعة.
فأرسل إليه الحسن أبايعك على أن الناس كلهم آمنون.
فقال معاوية: الناس كلهم آمنون إلا قيس بن سعد، فإنه لا أمان له عندي.
فأرسل الحسن إليه إني لست مبايعا أو تؤمن الناس جميعا، و إلا لم أبايعك.

قال: فأجابه معاوية إلى ذلك.
قال: فأقبل إليه الحسن فبايعه، فأرسل معاوية إلى الحسين بن علي فدعاه إلى البيعة، فأبى الحسين أن يبايع، فقال الحسن: يا معاوية! لا تكرهه فإنه لن يبايع أبدا أو يقتل، و لن يقتل حتى يقتل أهل بيته، و لن يقتل أهل بيته حتى تقتل شيعته، و لن تقتل شيعته حتى يبيد أهل الشام.
قال: فسكت معاوية عن الحسين و لم يكرهه.

ثم أرسل إلى قيس بن سعد فدعاه إلى البيعة، فأبى أن يبايع، فدعاه الحسن و أمره أن يبايع معاوية، فقال له قيس: يا ابن رسول الله! إن لك في عنقي بيعة، و إني والله لا أخلعها أبدا حتى تكون أنت الذي تخلعها! فقال له الحسن: فأنت في حل و سعة من بيعتي، فبايع! فإني قد بايعت.
فعندها بايع قيس لمعاوية. فقال له معاوية: يا قيس! إني قد كنت أكره أن تجتمع الناس إليّ و أنت حي. فقال قيس:
و أنا و الله يا معاوية قد كنت أكره أن يصير هذا الأمر إليك و أنا حي.

قال: ثم انصرف الناس يومهم ذلك، فلما كان من الغد أقبل الحسن إلى معاوية حتى دخل عليه، فلما اطمأن به المجلس قال له معاوية: أبا محمد! إنك قد جدت بشيء لا تجود به أنفس الرجال، و لا عليك أن تتكلم] و تعلم الناس بأنك قد بايعت حتى يعلموا ذلك!
قال الحسن: فإني أفعل.
ثم تكلم الحسن و قال: أيها الناس! إن أكيس الكيس التقى، وإن أحمق الحمق الفجور، وإنكم لو طلبتم ما بين جابلق و جابرص رجلا جده رسول الله صلّى الله عليه و سلم ما وجدتموه غيري و غير أخي الحسين، و قد علمتم أن الله تعالى هداكم بجدي محمد، و أنقذكم به من الضلالة، و رفعكم به من الجهالة، و أعزكم به بعد الذلة، و كثركم به بعد القلة، و إن معاوية نازعني على حق هو لي دونه، فنظرت صلاح الأمة، و قد كنتم بايعتموني على أن تسالموا من سالمت و تحاربوا من حاربت، و إن معاوية واضع الحرب بيني و بينه، و قد بايعته و رأيت أن ما حقن الدماء خير مما سفكها، و لم أرد بذلك إلا صلاحكم و بقاءكم، «وَ إِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ».

قال: ثم سكت، و قام عمرو بن العاص، فقال: يا أهل العراق! إنا كنا نحن و أنتم جميعا على كلمة هي السوي ففرق بيننا و بينكم الأهواء، ثم تحاكمنا إلى الله فحكم أنكم أنتم الظالمون لنا، فتداركوا ما سلف منكم بالسمع و الطاعة، يصلح لكم دينكم و دنياكم- والسلام-.

قال: ثم تكلم معاوية فقال: أيها الناس! إنه لم تتنازع أمة كانت قط من قبلنا في شيء من أمرها بعد نبيها إلا ظهر أهل باطلها على أهل حقها إلا هذه الأمة، فإن الله تعالى أظهر خيارها على أشرارها، و أظهر أهل الحق على أهل الباطل ليتم لها بذلك ما أسداها من نعمة عليها، فقد استقر الحق قراره، و قد كنت شرطت لكم شروطا أردت بذلك الألفة و اجتماع الكلمة و صلاح الأمة و إطفاء النائرة، و الآن فقد جمع الله لنا كلمتنا و أعز دعوتنا، فكل شرط شرطته لكم فهو مردود، و كل وعد وعدته أحدا منكم فهو تحت قدمي. [۱]


[۱] أما بالنسبة لوفاء معاوية بالشروط و الوعود التي قطعها على نفسه ووافق عليها في معاهدة الصلح التي مر ذكرها قريبا:
– بالنسبة للشرط الأول- المادة الأولى- فكان هو الشرط الوحيد الذي حظي بالوفاء من شروط المعاهدة.
– بالنسبة للشرط الثاني- المادة الثانية في المعاهدة- فثمة إجماع بين المؤرخين على نقضه (إن كان في نصه أن يؤول الأمر بعد معاوية إلى المسلمين يختارون من يشاؤون، أو إن كان يؤول- كما في بعض المصادر- إلى الحسن بن علي) و عهد معاوية من بعده- علنا- إلى ابنه يزيد.
– بالنسبة للشرط الثالث- المادة الثالثة في المعاهدة- فقد ورد في كتب السير و التاريخ ما حفلت به من سب عليّ على المنابر. و قد ورد في الطبري ۶/ ۱۴۱ في وصية معاوية للمغيرة بن شعبة لما ولاه الكوفة سنة ۴۱: « … و لست تاركا إيصاءك بخصلة لا تتحمّ عن شتم علي و ذمه … » .
– بالنسبة للشرط الرابع- المادة الرابعة- لم يطبق، حيث أن أهل البصرة منعوا خراج دارابجرد بحجة أنه من فيئهم بأمر معاوية. (ابن الأثير) .
– بالنسبة للشرط الخامس- المادة الخامسة: و هو العهد بالأمان العام فهو أيضا لم ينفذ، حيث عانى رجالات الشيعة من السياسة الأموية المتعسفة و المتحيزة ضدهم.


قال: فغضب الناس من كلام معاوية و ضجوا و تكلموا، ثم شتموا معاوية و هموا به في وقتهم ذلك، و كادت الفتنة تقع، و خشي معاوية على نفسه فندم على ما تكلم به أشد الندم.

و قام المسيب بن نجبة الفزاري إلى الحسن بن علي فقال: لا والله جعلني الله فداك، ما ينقضي تعجبي منك، كيف بايعت معاوية و معك أربعون ألف سيف، ثم لم تأخذ لنفسك و لا لأهل بيتك و لا لشيعتك منه عهدا و ميثاقا في عقد طاهر، لكنه أعطاك أمرا بينك و بينه ثم إنه تكلم بما قد سمعت، والله ما أراد بهذا الكلام أحدا سواك.
فقال له الحسن: صدقت يا مسيب! قد كان ذلك فما ترى الآن؟ فقال: أرى و الله أن ترجع إلى ما كنت عليه وتنقض هذه البيعة، فقد نقض ما كان بينك و بينه!

قال: و نظر الحسن بن علي إلى معاوية و إلى ما قد نزل به من الخوف و الجزع، فجعل يسكن الناس حتى سكنوا، ثم قال للمسيب: يا مسيب! إن الغدر لا يليق بنا و لا خير فيه، و لو أني أردت بما فعلت الدنيا لم يكن معاوية بأصبر مني على اللقاء. و لا أثبت عند الوغاء، و لا أقوى على المحاربة إذا استقرت الهيجاء، و لكني أردت بذلك صلاحكم و كفّ بعضكم عن بعض، فارضوا بقضاء الله و سلموا الأمر لله حتى يستريح بر و يستراح من فاجر.

قال: فبينما الحسن بن علي يكلم المسيب بهذا الكلام إذا برجل من أهل الكوفة يقال له عبيدة بن عمرو الكندي قد دخل، و في وجهه ضربة منكرة،
قال: و عرفه الحسن فقال: ما هذا الذي بوجهك يا أخا كندة؟
قال: هذه ضربة أصابتني مع قيس بن سعد.
فقال حجر بن عدي الكندي: أما والله لقد وددت أنك مت في ذلك و متنا معك ثم لم نر هذا اليوم، فإنا رجعنا راغمين بما كرهنا، و رجعوا مسرورين بما أحبوا.

قال: فتغير وجه الحسن ثم قام عن مجلس معاوية و صار إلى منزله، ثم أرسل إلى حجر بن عدي فدعاه، ثم قال له: يا حجر! إني قد سمعت كلامك في مجلس معاوية، و ليس كل إنسان يحب ما تحب و لا رأيه كرأيك، و إني لم أفعل ما فعلت إلا إبقاء عليكم، و الله تعالى كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ.

قال فبينا الحسن يكلم حجر بن عدي إذا برجل من أصحابه قد دخل عليه يقال له سفيان بن الليل البهمي فقال له: السلام عليك يا مذل المؤمنين، فلقد جئت بأمر عظيم، هلا قاتلت حتى تموت و نموت معك!
فقال له الحسن: يا هذا! إن رسول الله صلّى الله عليه و سلم لم يخرج من الدنيا حتى رفع له ملك بني أمية، فنظر إليهم يصعدون منبره واحدا بعد واحد، فشق ذلك عليه، فأنزل الله تعالى في ذلك قرآنا فقال: إِنَّا أَنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَ ما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ من أَلْفِ شَهْرٍ. يقول: إن ليلة القدر خير من ألف شهر من سلطان بني أمية.

قال: فالتفت الحسين إلى أخيه الحسن فقال: والله لو اجتمع الخلق طرا على أن لا يكون الذي كان إذا ما استطاعوا، و لقد كنت كارها لهذا الأمر و لكني لم أحبّ أن أغضبك، إذ كنت أخي و شقيقي.

قال: فقال المسيب: أما و الله يا ابن رسول الله! ما يعظم علينا هذا الأمر الذي صار إلى معاوية، و لكنا نخاف عليكم أن تضامّوا بعد هذا اليوم، و أما نحن فإنهم يحتاجون إلينا و سيطلبون المودة منا كلما قدروا عليه.

قال: فقال له الحسن: لا عليك يا مسيب! فإنه من أحبّ قوما كان معهم.

قال: ثم رحل معاوية و أصحابه إلى الشام، و رحل الحسن بن علي و من معه إلى المدينة و هو عليل.